الجمعة، 9 مايو، 2014

هيــبــة قــريـــش ..!


" تبا لك ألهذا جمعتنا "
بهذه الكلمات استقبل عبدالعزى بن عبدالمطلب نداء ابن أخيه إلى الدين الجديد الذي أمره ربه بأن يصدع به على الملأ ويدعوهم إلى عبادته دون سواه ونبذ الأصنام التي كانوا يقصدونها ويتولون رعايتها عند بيته الحرام .
إلى هنا والقصة قديمة رتيبة تكررت في كتبنا الدراسية وأعمالنا السينمائية والدرامية حتى حفظناها بما فيها من سيناريوهات وأحداث ، إلا أننا رغم ذلك وبعد كل تلك السنوات لم ننظر إلى الأمر بروية وتعقل .. بعيداً عن كل تلك المؤثرات الدرامية والكتابات النقلية التي لا تدرس الأحداث من جميع جوانبها ، ولم نذهب إلى الأبعاد الأخرى من ذلك الرد الذي استتبعه عداء سافر وهجوم منظم شارك فيه أقوى وأشد رجالات قريش قوة ومهابة وحكمة بين بني قومهم والذين تعارف الجميع على تسميتهم فيما بعد بـ" صناديد قريش" وكان من بينهم عبدالعزى الذي ذكرناه آنفا عم النبي وأحد أكثر الناس قربا منه - قبل هذا الموقف - والذي ربما لا يعلم البعض أنه قد أعتق جاريته التي بشرته بولادة ابن أخيه محمد وكان يصله ويرعاه مع أبي طالب العم الآخر الطيب الودود والذي رغم أنه لم يتبع رسالة ابن أخيه إلا أنه لم يعمد إلى إيذاءه والتنكيل به كما فعل آخرون .
والسؤال هنا .. لم كانت تلك الصدمة قاسية على قريش .. ولماذا تعمدوا إيقاف تلك الدعوة بأي وسيلة ممكنة .!؟
سؤال لابد أن نقف عنده مطولاً خاصة إذا علمنا أن قريشاً خاصة - والعرب عامة - لا ينكرون وجود الرب الخالق المتصرف في هذا الكون " لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتوَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ " .. إذن فما وجه الاعتراض لديهم .. وما الشيء الذي أقلق مضجهم وجعلهم يناصبون أكثر الرجال صدقا في عهدهم كل ذلك العداء مع كل ما يعرفونه عنه من خلق كريم وشيم نبيلة 
وعلينا ألا ننجرف أيضا خلف تلك الصورة البلهاء التي رسمها لنا السينمائيون عن " الكفار " بأنهم أولئك الغلاظ ذوي الحواجب الكثة الملتصقة والصوت الأجش حتى تتناسب مع صدهم وإعراضهم عن تقبل الدين . 
فكل هؤلاء كانوا أناسا عاديين شأنهم شأن من آمن من أبناء عمومتهم في الصورة والهيئة بل إن البعض قد لا يعلم أن أبا لهب اكتسب كنيته تلك لأن له وجها وضّـاء شديد الوسامة كأنه شعلة من لهيب  ، وأن أبا جهل كان قوي البنية ذو رأي سديد في قومه سمي بأبي الحكم لكونه من أصغر الناس الذين كانوا يؤخذ برأيهم في كبير الأمور .
إلا أن محاربتهم للدين لم تكن نابعة من قناعة بكذب محمد بن عبدالله قط ، ولا شكا فيه أو فيما يدعو إليه 
بقدر ما كانت خشية من اهتزاز " هيبة قريش " التي اكتسبتها على مر الزمن والسنين ، تلك الهيبة التي منحتها قوة خاصة بين العرب لا يعتدي على إثرها أحد عليهم ولا تغير على قوافلهم قبيلة مهما بلغت من قوة ، هيبة اكتسبوها حين جعل الله لهم قبل مئات السنين " حرماً آمنا ويتخطف الناس من حوله " .
فكانت هنا خشية المجازفة بهذه المكانة إذا تواتر بين الناس أن قريشاً تدعو إلى دين جديد يساوي بين الناس ، ويحرم الحج إلى الأصنم التي تلتف حول الكعبة وتختص كل قبيلة من العرب بواحد منها فتجلب معها الهدايا والقرابين ثم تبتاع من تجار قريش فتنعش اقتصاد هؤلاء الصناديد وتملأ خزائنهم .
فكيف لك يا محمد بين يوم وليلة أن تدعونا لأن نغير كل هذا بين ليلة وضحاها ، وأن نأتم بك وليس لك ذلك الجاه والمال الذي يجعلك أخذ لنا مكانا بين العرب ، ثم كيف نستبدل الأصنام التي تجذب كل هؤلاء الناس بإله واحد قد لا يرضى بعضهم بالحج له دون غيره فنفقد مواردنا السياحية السنوية المعتادة 
كل هذا كان ما جال بخاطر كبار القوم وقتها وزاد على ذلك عدم تخيلهم لأن يقف المستضعفون منهم كتفاً إلى كتف بجانبهم في صف واحد لأداء الصلاة بعدما لم يكن أحد منهم يتجرأ أن يدخل عليهم في دار الندوة حين يعقدون اجتماعاتهم .
وقد تجلت هذه الصورة حين قالها عمرو بن هشام " أبو جهل " لعبدالله بن مسعود حينما وثب عليه الأخير ليقتله يوم بدر فجلس ابن مسعود على صدره وهم بجز عنقه فقال له : لقد ارتقيت مرتقا صعبا يا رويعي الغنم " محتقراً أن تكون نهايته على يد صار فيما بعد أحد كبارات الصحابة وأكثرهم علما وقدراً بصلاحه وعمله .
لقد كانت قريش تخشى أن يختل ميزان رسموه على مدى سنين طويلة ، ومع ماكان يرون من فساد مطنقه وعدم رجاحة كفته 
فإنهم آثروا أن يبقوه على ذلك الوضع حفاظا على تلك " الهيبة " المصطنعة التي رأوها بعين ضيقة منحرفة الهدى والبصيرة 
وكانوا يرون في تلك الدعوة ثورة على كل تلك الأعراف والتقاليد التي توارثوها وعرفهم الناس بها 
ولم يجل بخاطر أحدهم أن الله يخبئ لهم بين صحف الغيب عنده قدرا ورفعة لن تقتصر على مكانة بين العرب الأميين فقط ، بل ستقفز بهم إلى هامات أعتى ممالك العالم وامبراطورياتها ، يسيطرون عليها ويمسكون بمقاليدها ما دامت أعرافهم تعتمد على العدل والهدى .. والحق 

انتهيــت من القـــراءة ..استمع الآن !

بطـــل الحــــرب ...والســـــلام